ذكر السخاوي -رحمه الله- في «جمال القراء» في الكتاب الرابع منه (تجزئة القرآن) كلامًا طويلًا نافعًا عن تفاصيل أجزاء القرآن وأرباعه وأسباعه وأثمانه وغيرها بدقة ينتفع بها الحافظ لكتاب الله تعالى، ومن يرغب في حفظه بسهولة ويسر.
وأشار إلى أن معنى التجزئة والتحزيب وَرَدَا على لسان النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأنه ورد «طرأ عليَّ حزبي من القرآن» و«إنه قد فاتني الليلة جزئي من القرآن...»، وذكر قصة جمع الحجاج بن يوسف للقراء والحفاظ في عهده وسؤالهم عن عدد آيات القرآن، وعن منتصف القرآن وربعه وثلثه وغيرها. وقد استند على هذه الحادثة كثير من العلماء الذين كتبوا في تاريخ القرآن، وقالوا بأن أول من أحدث الأجزاء والأحزاب هو الحجاج بن يوسف الثقفي (ت110هـ).
وقال الزركشي في «البرهان» عند الحديث عن تحزيب القرآن: «وأما التحزيب والتجزئة فقد اشتهرت الأجزاء من ثلاثين كما في الربعات بالمدارس وغيرها، وقد أخرج أحمد في مسنده وأبو داود وابن ماجه عن أوس بن حذيفة أنه سأل أصحاب رسول الله
-صلى الله عليه وسلم- في حياته: كيف تحزبون القرآن؟ قالوا: ثلاث، وخمس، وسبع، وتسع، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وحزب المفصل من (ق) حتى يختم»[1].
وتحدّث ابن تيمية حديثًا طويلًا عن تحزيب القرآن، ذهب فيها إلى أن التحزيب بالسور أفضل من التحزيب الحاصل، والذي يقف فيه القارئ أحيانًا على مواضع مرتبطة بما بعدها، والبدء بمواضع لها تعلق بما قبلها، وأشار إلى سبق الحجّاج إلى تجزئة القرآن بالحروف[2].
والذي عليه العلماء -وهو الصحيح إن شاء الله- أن «تجزئة القرآن وتحزيبه وقسمة الأرباع على الصورة التي توجد في مصاحف المسلمين اجتهادية، ولها أصل من فعل أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- لكن على غير هذه القسمة، وكان السلف يختلفون في ذلك، وليس المعنى فيه تعبديًّا، وإنما هو لتيسير أخذ القرآن»[3].
وقد فصّل القول في ذلك الشيخ محمد الدويش في رسالة له عن تحزيب القرآن[4].
[1] البرهان في علوم القرآن للزركشي بتحقيق المرعشلي (1/349).
[2] يُراجع: مجموع الفتاوى (13/405).
[3] انظر: المقدمات الأساسية في علوم القرآن، لعبد الله الجديع ص(147).
[4] منشور بمجلة البيان، العدد (41)، محرم 1412هـ.
