الجواب:
إنّ هذه الآية العظيمة من الآيات التي أطال علماء التفسير والعقيدة والبلاغة الوقوف عندها، واستخراج معانيها وأحكامها وأسرارها؛ لكونها تمثل لكلّ من هؤلاء العلماء بحثًا متخصصًا في فنّه.
قال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}[الشورى: 11].
قال الإمام ابن جرير الطبري -رحمه الله تعالى- في تفسيرها: «فيه وجهان: أحدهما: أن يكون معناه: ليس هو كشيءٍ، وأدخل المثل في الكلام توكيدًا للكلام؛ لكونهما بمعنى واحد... والآخر: أن يكون معناه: ليس مثله شيء، وتكون الكاف هي المدخلة في الكلام»، انتهى مختصرًا.
وهناك أوجه أخرى لم يذكرها الطبري -رحمه الله-؛ منها:
- أن المثل هنا بمعنى الصفة، أي: ليس كصفته شيء.
- ووجه رابع، وهو الذي عوّل عليه كثير من المحققين من العلماء، وهو أن المراد بقوله: «مثله» ذاته، كما في قولهم: مثلك لا يكذب، ومثلك لا يبخل، على قصد المبالغة في نفي الكذب والبخل عنه، قالوا: لأن نفيه عمن يماثله ويناسبه يدل على أنه منفي عنه من باب أولى.
ويرى البلاغيون أن الكلام هنا من باب الكناية، وأن هذا الأسلوب يدلّ على المبالغة في نفي المثل لله سبحانه وتعالى، وأن هذا من باب نفي الشيء بنفي لازمه؛ لأن نفي اللازم يستلزم نفي الملزوم. والمراد أن الله لو كان له مثل لكان هذا المثل هو الله سبحانه وتعالى، ولكن ليس له مثل.
وإن كان بعض العلماء قد أشكل عليه هذا، فقال: نحن نقول الآن أن نفي اللازم يستلزم نفي الملزوم، وهو أننا نقول لو كان لله مثل لما كان لهذا المثل مثل. ولكن الذي يظهر أن إثبات المثل هنا ليس لازمًا لحقيقة الآية قطعًا، بل هو محتمل فقط، كما تحتمل نفيه، وإن كان الأول أقرب. لكن عارضه في خصوص هذه المادة، أنه لو كان له مثل لما كان لهذا المثل مثل. فبطل بذلك الاحتمال من أصله؛ فالتعويل في نفي المثل على هذه المقدمة القطعية.
وعارض بعض العلماء في كون نفي مثل المثل أبلغ من نفي المثل، ورد عليه في ذلك، ويمكن مراجعة تفسير القاسمي -رحمه الله-؛ فقد أطال الحديث حول هذه الآية.
وأما من قال بتخصيص الكاف لنفي الند المكافئ، وأن (مثل) لنفي المشابهة في الاسم أو الصفة أو غيرها. فإنّ تخصيص أدوات التشبيه لمعانٍ يحتاج لدليل؛ حيث المقصود من التشبيه هو وجه الشبه، وهو المراد عند التشبيه بالكاف أو مثل أو غيرها، وتخصيص أدوات التشبيه يحتاج إلى النقل عن العرب بحيث يجزم بأنّ هذا هو سنن العرب في تشبيهاتها. والمسألة على كلِّ حال محل بحث ودراسة.
وأختم بفوائد حول هذه الآية:
- ذكر السيوطي -رحمه الله- في «الإكليل» أن في الآية ردًّا على المشبهة، وأنه تعالى ليس بجوهر ولا بجسم ولا عرض.
قال القاسمي: وكان حقّه أن يتم الاستنباط، فكما أن صدر الآية فيه رد على المشبهة فكذا تتمتها، وهو قوله تعالى: {وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} ردّ على المعطلة؛ ولذا كان أعلى المذاهب مذهب السلف، فإنهم أثبتوا النصوص بالتنزيه من غير تعطيل ولا تشبيه.
- قال الحافظ ابن عبد البر -رحمه الله-: أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة في الكتاب والسنة، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لم يكيفوا شيئًا من ذلك. وأما الجهمية والمعتزلة والخوارج، فكلهم ينكرها ولا يحمل منها شيئًا على الحقيقة، ويزعمون أنّ مَن أقرّ بها مشبه، وهم عند مَن أقرّ بها نافون للمعبود. انتهى.
قال الذهبي -رحمه الله-: صدق والله! فإن من تأوّل سائر الصفات، وحمل ما ورد منها على مجاز الكلام، أدّاه ذلك السلب إلى تعطيل الربّ وأن يشابه المعدوم، كما نقل عن حماد بن زيد أنه قال: مثل الجهمية كقوم قالوا: في دارنا نخلة. قيل: لها سعف؟ قالوا: لا. قيل: لها كرب؟ قالوا: لا. قيل: لها رطب؟ قالوا: لا. قيل: فلها ساق؟ قالوا: لا. قيل: فما في داركم نخلة!
قلتُ -القائل الذهبي-: كذلك هؤلاء النفاة، قالوا: إلهنا الله تعالى، وهو لا في زمان، ولا في مكان، ولا يرى، ولا يسمع، ولا يبصر، ولا يتكلم، ولا يرضى، ولا يريد، ولا ولا. وقالوا: سبحان المنزه عن الصفات!
بل نقول: سبحان الله العلي العظيم السميع البصير المريد، الذي كلّم موسى تكليمًا، واتخذ إبراهيم خليلًا، ويُرى في الآخرة، المتصف بما وصف به نفسه ووصفه به رسله، المنزه عن سمات المخلوقين وعن جحد الجاحدين، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
ولابن تيمية -رحمه الله- كلام نفيس في التدمرية في (القاعدة الأولى) فيمكن الرجوع إليها للاستزادة. والله أعلم.
