س
ما الفرق بين الاستفهام الإنكاري وبين الاستفهام التقريري؟
ج

الجواب:

للاستفهام أنواعٌ تعرف من خلال السياق، وقد أفاض علماء المعاني في دراستها، ولا يخلو كتاب من كتب البلاغة من الكلام عن الاستفهام وأدواته، وهم يعدّون الاستفهام نوعًا من أنواع الإنشاء الطلبي، ويعرِّفون الاستفهام بأنه طلب العلم بشيء لم يكن معلومًا من قبل بأداة خاصة من أدوات الاستفهام.

ولكن هذا الاستفهام قد يخرج عن الاستفهام المجرد إلى معانٍ أخرى، تعرف بالقرائن، ودلالة سياق الكلام، وهذه المعاني كثيرة؛ منها:

- النفي، مثل قوله تعالى: {فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ}، وقوله تعالى: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ}.

- التعجب، مثل قوله تعالى: {وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ}.

- الإنكار، مثل قوله تعالى: {أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا}.

- التمني، مثل قوله تعالى: {وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ}.

- التقرير، مثل قوله تعالى: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ}، وقوله: {أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا}.

- التحقير، مثل قوله تعالى: {أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا}.

- الاستبطاء، مثل قوله تعالى: {مَتَى نَصْرُ اللَّهِ}.

- الاستبعاد، مثل قوله تعالى: {أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ}.

- التهكم والاستهزاء، مثل قوله تعالى: {قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ}.

- الوعيد والتهديد، مثل قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ}.

- التحضيض، مثل قوله تعالى: {قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ}.

ولمزيد بيان حول الاستفهام التقريري والاستفهام الإنكاري:

الاستفهام التقريري: هو أن تطلب من المخاطَب أن يقرّ بِما يُسأَلُ عنه نفيًا أو إثباتًا، لأي غرض من الأغراض التي يراد لها التقرير؛ كالإدانة واللوم ونحو ذلك.

ومن أمثلته في القرآن الكريم ما تقدم من قوله تعالى للنبي -صلى الله عليه وسلم-: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ}، يعني قد شرحنا لك صدرك يا محمد، وتقريره بذلك لكي يشكر هذه النعمة ويقدرها حق قدرها.

وكذلك في مخاطبة فرعون لموسى -عليه السلام-: {أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا}، يريد فرعون أن يقر موسى بذلك ليدينه بهذا، أي: كيف نربيك ثم تنقلب علينا ؟!

وكذلك في محاورة قوم إبراهيم -عليه السلام- له عندما حطم أصنامهم: {أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ}، وغرضهم من إقراره بهذا إدانته، والانتقام منه.

وقوله تعالى ممتنًّا على نبينا -صلى الله عليه وسلم-: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى}، فهو استفهام تقريري للامتنان على النبي -صلى الله عليه وسلم-. وغير ذلك من الأمثلة من كلام العرب شعرًا ونثرًا، ومن أجمل أمثلته في ذلك قول جرير -رحمه الله-:

أَلستمْ خير من ركب المطايا

وأندى العالمين بطون راحِ؟!

وأما الاستفهام الإنكاري: فهو يدل على أنّ الأمر المستفهم عنه أمر منكر، وقد يكون هذا الذي ينكره العقل أو الشرع أو العرف أو القانون أو غير ذلك.

وللاستفهام الإنكاري أنواع بحسب المراد بالإنكار؛ فقد يكون إنكارًا يراد به التوبيخ على أمر قد مضى، أو أمر قائم، أو إنكارًا للتكذيب وغير ذلك.

ومن أمثلته: قول موسى مخاطبًا أخاه هارون: {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي}.

وقوله تعالى: {أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا}، ينكر عليهم إنكارًا فيه تكذيب لهم.

وقول نوح -عليه السلام- مخاطبًا قومه عندما دعاهم فكذبوه: {قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ}[هود: 28].

ويجب في الاستفهام الإنكاري أن يقع الأمر المُنْكَر بعد همزة الاستفهام كما في الأمثلة، وقد يكون الأمر المنكَر -بفتح الكاف- هو الفعل كما في خطاب إبراهيم -عليه السلام- لأبيه: {أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً}، ينكر عليه ذلك.

وقول إبراهيم -عليه السلام- لقومه: {قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ}.

وقد يكون المنكر هو الفاعل، كقوله تعالى: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ}، وقوله تعالى: {أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ}.

وقد يكون المنكر هو المفعول، كقوله تعالى: {أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا}، وقوله تعالى: {أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}.

وقد يكون المنكر هو المفعول لأجله، كقوله تعالى: {أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ}.

وموضوع الاستفهام موضوع شيق، وقد بحثه علماء المعاني، وقد بحثه الدكتور محمد عبد الخالق عضيمة -رحمه الله-، في كتابه النفيس «دراسات لأسلوب القرآن الكريم»، وقد استقصى -رحمه الله- الأمثلة للاستفهام بأنواعه في القرآن الكريم، كما تعرض لبعضه أحمد بن فارس -رحمه الله- في كتابه «الصاحبي» عند حديثه عن بعض أدوات الاستفهام.

هناك كتابٌ ثمينٌ جدًّا تناول موضوع الاستفهام في القرآن الكريم كله بالدراسة، ولا سيما من الناحية البلاغية، وهو كتاب «التفسير البلاغي للاستفهام في القرآن الحكيم» للأستاذ الدكتور عبد العظيم بن إبراهيم المطعني -رحمه الله-، ويقع في أربع مجلدات، وقد طبعته مكتبة وهبة بالقاهرة. وقد تناول فيه بالدراسة والتحليل كلّ الآيات المشتملة على استفهام، مرتبًا لها بحسب ترتيبها في سور القرآن الكريم، وهو كتاب بديع، ومؤلفه ممن له قدم صدق في الدراسات البلاغية المتميزة للقرآن الكريم.