س
لدي موضعان من تفسيرات ابن بدران الدمشقي في تفسيره «جواهر الأفكار»، والتي أعتقد أنها مما تأثر به من علم الفلسفة والكلام
ج

لدي موضعان من تفسيرات ابن بدران الدمشقي في تفسيره «جواهر الأفكار»، والتي أعتقد أنها مما تأثر به من علم الفلسفة والكلام.

الموضع الأول: قوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ}[آل عمران:190].

قال ابن بدران: «وادعى بعض المتأخرين منهم أنه اكتشف كوكبًا ثامنًا للسيارات، وسماه (نبتون) باسم مكتشفه، والذي يلوح لي أن هذا الكوكب هو الذي يعبر عنه الأقدمون بفلك الثوابت، وهو كثير الذّكر في كتب الهيئة، وقد بقي عليهم فلك آخر لم يكتشفوه وهو فلك الأفلاك والفلك الأعظم والأطلس، وقالوا: إنه محيط بجميع الأجسام، وليس وراءه شيء لا خلاء ولا ماء، ولقد سبق القرآن الكريم إلى ذكر هذين الكوكبين، فقوله تعالى: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} يشير إلى الثامن، وقوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} يشير إلى التاسع».

الموضع الثاني: قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}[البقرة:29].

قال ابن بدران: «إنّ السماوات عبارة عن السيارات السبع، ولكن انتقاض الحصر ليس بلازم لنا؛ لأن العدد لا مفهوم له، ولو سلّمنا أن له مفهومًا، ولكن الكتاب العزيز لم يقتصر على ذكر السبع بل زاد عليها اثنين، وهما الكرسي والعرش، وهما عند الحكماء مما يطلق عليهما لفظ الفلك، فإذا انضما إلى السبعة صارت تسعة، وهم إلى الآن لم يكتشفوا الثامن من بعد ألوف من السنين، ونحن ندعهم حتى يكتشفوا التاسع بعد دهر وهناك يذعنون لنا».

فما قولكم في ذلك؟

هذه الأقوال -للأسف- هي من تأثّر المفسرين بكلام الفلاسفة الذي لا دليل عليه ولا قيمة له في باب التفسير، والرازي -رحمه الله- هو الذي فتح هذا الباب للمفسرين حتى غلب على تفسيره، وسار بسيره معظم من جاء بعده، وقد ناقش الدكتور بكار محمود الحاج في كتابه «الأثر الفلسفي في التفسير»[1] هذه المسألة بتفصيل، وذمّ أبو حيان الغرناطي في كتابه «البحر المحيط» هذه النقول ذمًّا شديدًّا، ووصفها بأنها ليست من العلم ولا من التفسير في شيء، وقد اطلعتُ على تفسير ساجقلي زاده لآية الكرسي فوجدته ملأها بمثل هذه النقول تأثرًا بالرازي وغيره. فيجب التنبه إلى مثل هذا الأمور الدخيلة على التفسير الناشئة من التأثر بكلام الفلاسفة.

[1] وقد نشرته: دار النوادر - دمشق - سوريا، الطبعة: الأولى سنة 1429هـ - 2008م، عدد الصفحات: 791.