س
هل لفظ (القرآن) مشتق من الفعل (قرأ) أم هو جامد؟
ج

اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:

الأول: يرى أن لفظ (القرآن) غير مشتق، وعلى رأسهم الإمام الشافعي -رحمه الله-؛ ولذلك فهو لا يهمز لفظ (القرآن)؛ لأنه يرى أنه عَلَم غير مهموز، وكان يهمز الفعل (قرأ) ولا يهمز (القرآن)، وحجته أنه لم يؤخذ من (قرأت)، ولو أخذ من (قرأت) لكان كلّ ما قرئ ‏قرآنًا، ولكنه اسم كالتوراة والإنجيل[1].

ويرى أهل هذا الرأي أن القران عَلَمٌ على الكتاب الذي أنزل على محمد -صلى الله عليه وسلم-، كما أن التوراة علم على الكتاب الذي أنزل على موسى والإنجيل علم على الكتاب الذي أنزل على عيسى.

الثاني: أنه مشتق، وعلى هذا الجمهور من العلماء من اللغويين وأهل التفسير، لكنهم اختلفوا في المشتق منه على أقوال:

1- أنه مشتق من (قَرَنَ)، بمعنى ضمّ، كما تقول: قرنت الشيء بالشيء إذا ضممته إليه، وسمي القرآن بذلك لقرنه السور والآيات والحروف فيه. وهذا قول الأشعري.

2- أنه مشتق من (القرائن)، جمع قرينة؛ لأن الآيات منه يصدق بعضها بعضًا، ويشابه بعضها بعضًا، وهذا قول الفراء اللغوي -رحمه الله-.

وعلى هذين الرأيين فالقران غير مهموز، ونونه أصلية؛ لأنه من (قرن)، وهذان الرأيان فيهما ضعف.

3- أنه مشتق من (قرأ)، وهذا رأي جمهور كبير من العلماء -رحمهم الله-؛ منهم ابن فارس صاحب «مقاييس اللغة»، بل هو يرى أن (قرى) و (قرأ) بمعنى واحد، وهو يدل على جمع واجتماع، ومن ذلك القرية، سميت بذلك لاجتماع الناس فيها، ويقولون: قريت الماء في المقراة جمعته...، ويقولون: ما قرأت هذه الناقة سلى كأنه يراد أنها ما حملت قط... قالوا: ومنه القرآن، كأنه سمي به لجمعه ما فيه من الأحكام والقصص وغير ذلك[2].

ويرى الراغب الأصفهاني في المفردات أن القرآن في الأصل مصدر، نحو كفران ورجحان، وهو بمعنى القراءة[3].

ويرى بعض العلماء أن القرآن مشتق من (قرأ) بمعنى أظهر وألقى، لا بمعنى جمع؛ ولذلك يقول الزركشي: وقال بعض المتأخرين: لا يكون القرآن وقرأ بمعنى جمع؛ لقوله تعالى: {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} فغاير بينهما، وإنما مادته (قرأ) بمعنى (أظهر وبيّن). والقارئ: يظهر القرآن ويخرجه، والقرء: الدم؛ لظهوره وخروجه، والقرء: الوقت، فإن التوقيت لا يكون إلا بما يظهر[4].

ومثل هذا القول حكي عن قطرب؛ قال: إنما سمي القرآن؛ لأن القارئ يظهره ويبينه من فيه، أخذًا من قول العرب: ما قرأت الناقة سلى قط، أي ما رمت بولد، أي ما أسقطت ولدًا، أي ما حملت قط. والقرآن يلفظه القارئ من فيه ويلقيه فسمي قرآنًا.

ومما تقدم يظهر أن بعض العلماء يرجح كون لفظ القرآن مشتقًا من قرأ بمعنى جمع، في حين يرجح البعض الآخر كونه مشتقًّا من قرأ بمعنى ألقى وأظهر وتلا. والذي عليه الأكثر أن مادة (قرأ) في اللغة إنما تفيد الجمع الذي يعقبه إلقاء أو ظهور، كما في قول عمرو بن كلثوم:

هِجَـانِ اللَّوْنِ لَمْ "تَقْرَأ" جَنِيْنَـا

وثَدْيًا مِثْلَ حُقِّ العَاجِ رَخِصًـا

أي لم تحمل جنينًا، ولم تلق، أي لم تجمع رحمها على ملقوح ولم تلد.

وقد تحدث عن ذلك وفصّل الراغب الأصفهاني في معنى القرء.

وبناء على ما تقدم تكون القراءة من الجمع الذي يتلوه الإلقاء أو الظهور أو التلاوة؛ وذلك لأن التلاوة مرحلة تالية للجمع، سواء كانت هذه القراءة بعد الجمع في الصدر أو في الكتاب. ولعلّ هذا هو مراد الأصفهاني بقوله: «والقراءة ضم الحروف بعضها إلى بعض في الترتيل، وليس يقال ذلك لكلّ جمع».

الخلاصة: أن كلمة (القرآن) من حيث الاشتقاق وعدمه مسألة خلافية، وإن كنتُ أرى أنها مشتقة من (قرأ) بمعنى جمع وأظهر وتلا معًا؛ لأن طبيعة القرآن كذلك، فبداية نزوله: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ}، وللأمر بتلاوته وترتيله في أكثر من موضع، ولمساعدة كلام العرب على هذا الاشتقاق، ولكن يبقى في الأمر سعة ولله الحمد.

ويحسن التنبيه على أن الشيخ الكريم صبحي الصالح -رحمه الله- قد ذهب إلى أن مادة (قرأ) في العربية مأخوذة من أصل آرامي، وأن العرب في الجاهلية لما سمعوا هذه اللفظة استخدموها بمعنى غير معنى التلاوة، فكانوا يقولون: هذه الناقة لم تقرأ سلى قط، يقصدون أنها لم تحمل ملقوحًا ولم تلد ولدًا.

بينما الكلمة عربية أصيلة، لا شبهة فيها إن شاء الله، ولكن تأثر كثير من العلماء الأجلاء ببحوث ودراسات المستشرقين الذي يرون أن اللغات الآرامية والحبشية والفارسية تركت في اللغة العربية آثارًا لا تنكر؛ لأنها كانت لغات أقوام أهل مدنية بخلاف العرب، هذا هو السبب في القول بهذا القول، ويمكن مراجعة كلامه في كتابه في علوم القرآن.

[1] ينظر في ذلك: تاريخ بغداد (2/ 401).

[2] ينظر: مقاييس اللغة (5/78-79).

[3] ينظر: المفردات في غريب القرآن (1/ 668).

[4] ينظر البرهان في علوم القرآن للزركشي (1/ 277).