تأليف: د. إحسان الأمين.
دار النشر: دار الهادي - بيروت - لبنان.
سنة النشر: الطبعة الأولى (1428هـ - 2007م).
عدد الأجزاء والصفحات (الوعاء): مجلد، (464ص).
هذه الدراسة هي محاولة لاستقراء منهج النقد في التفسير؛ أي الطريقة البيّنة والخطّة المتّبعة في نقدِ ما يَرِدُ من تفاسير مختلفة ببيان نقاط القوة والضعف، والصحة والخطأ فيها، بغية الاقتراب من المعنى المراد من الآيات.
وفي البداية تحسن التّقدمة ببعض الأمور:
النَّقدُ في اللغة: فنُّ تَمييزِ جَيّدِ الكلام من رديئهِ، وصحيحهِ من فاسده، والأصلُ فيه مِنْ (نَقَدَ الدراهمَ والدنانيرَ وغيرَهما نَقْدًا: مَيَّزَ جيدَها مِن رديئها).
وفي الاصطلاح: يعرّف النقد بتعريفين:
- أحدهما: الحكم، ويراد به الحكم على الأشياء بالحسن أو الرداءة، أو الجمال أو القبح.
- والآخر: التفسير أو التحليل، فالنقد بذلك يتجه إلى تحليل وتجزئة النصّ لإدراك أبعاده وبلوغ أعماقه.
وقد ارتبط النقد وجودًا وعدمًا بوجود الإنسان وظهور فكره، فالإنسان ناقد بالطبع كما يقول علي جواد الطاهر في بحثه (مقدمة في النقد الأدبي)؛ وذلك لأن الإنسان قد أوتي من المؤهلات الذهنية والنفسية ما جعله يرتاح للحَسَنِ وينقبض عن القبيح، ولذلك فإن النقد في حياة الإنسان يسير جنبًا إلى جنبٍ مع فكره وثقافته ويتحرك في روحه، هذا إذا لم نقل إن فكر الإنسان في أصله كان نقدًا؛ لأنه يتحسس به جمال الوجود فيبين حسنه، ويعبر به عن نفرته من كثير من الأمور والسلوكيات والأفكار، وذلك هو النقد ذاته، ولأنَّ الفكر البشري عرضة للخطأ والنقص والسهو كان النقد واجبًا ضروريًّا لا بد منه لتقويم الاعوجاج، وتصويب الخطأ، والتدرج في مدارج الكمال يومًا بعد يوم.
وقد أصيب العقل العربي المعاصر بسبب غياب النقد البنَّاء بالكسل الفكري، ولا سيما في جوانب العلوم الشرعية، حيث إن النقد يبعث الكسلان، ويستثير الخامل، ويدفع المُجِدَّ إلى الكمال، ولا يزال به النقد الهادف حتى يأخذ بيده للتميّز والإبداع خطوة خطوة.
وطبيعي أن نقد التفسير يتضمن كلا المعنيين الآنفين للنقد، فهو يبدأ بتحليل النصّ المفسَّر لغرض فهم الدليل الذي استند إليه، ثم يَخْلُصُ إلى الحكم عليه، استنادًا إلى المبادئ والأسس المعتمدة في التفسير، ومدى التزام التفسير بها أو خروجه عليها.
وعلى الرغم من تعدد وتنوع اتجاهات المفسرين، وغلبة لونٍ خاصّ على تفاسير بعضهم، فمنها الأثري والبياني وغيرها من التفاسير التي عنيت بجانب الأحكام أو اللغة أو التربية أو غيرها، إلا أن في هذه جميعًا مساحة مشتركة لمنهج النقد؛ إذ لا بد أن يكون التفسير مما تحتمله الآية، قراءة ولغة ومعنى، وأن يكون منسجمًا مع القرآن، بسياقاته وقواعده وأصوله.
ولذا فإنّ الباحث الدكتور إحسان الأمين قد سعى في بحثه هذا إلى تشخيص الأسس التي يقوم عليها النقد في المجالات المختلفة المتعلقة بالتفسير من لغة وقراءة وفهم وبيان، وبالرجوع إلى نفس القرآن والقواعد الجارية فيه، وكذلك السنة النبوية التي تكفّلت ببيان القرآن، وعلوم الحديث التي تعنى بحفظ السنة وسلامتها، وكذلك المباحث العقدية التي يقوم عليها علم الاعتقاد، وقد تناوله الباحث في سبعة فصول من كتابه هذا، غير أنه قدَّم بدراسة أمرين:
الأول: دراسة مبادئ التفسير، وأسباب الاختلاف فيه؛ حيث إن معرفة طريقة ظهور النص وطبيعة اللغة التي جاء بها وأسلوب بيان القرآن، وسنن المجتمع المخاطب به، وتطور فهم المخاطبين له بحسب زمان نزوله فيهم... إضافة إلى أسباب وأنواع الاختلافات الواقعة في تفسيره، كلّ ذلك له علاقة وثيقة بتعيين الموارد التي يكثر فيها الخطأ، والتي تحتاج إلى فحصٍ وتَمحيصٍ، وبالتالي المسار الذي يسير عليه النقد.
الثاني: تشخيص منافذ الضعف ومسارب الشك فيه، كالإسرائيليات والموضوعات وغيرها، فهي المجالات التي يجب الحذر منها، والدقة في نقد التفاسير المختلطة بها؛ لأن الكثير منها يحمل معه آثار التحريف.
وهذان الموضوعان شغلا الفصلين الأول والثاني من الكتاب.
وقد أشار الباحث إلى أن دائرة النقد في التفسير واسعة، وميدانه رحب، فالتفسير قسمان:
- أحدهما: هو أن يكون نقلًا عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، إلا أن ناقله بشر يخطئ ويصيب، وينسى ويسهو، ويدق ويكذب، فلا بد من نقد الراوي والمروي لغرض التأكّد من صدق الناقل وضبطه، ودقة المنقول وسلامته، وبالتالي صحته، وهو ما تكفّلت به علوم الحديث، وتطرّقت إليه علوم التفسير لارتباطه بتفسير القرآن وفهمه، على أن المأثور من التفسير لم يستوعب القرآن كلّه، وما صح سنده فهو قليلٌ، وقد دخلت فيه عوامل الضعف من موضوعات وإسرائيليات، وكلّها تستدعي المزيد من التحقيق والتدقيق، وتمحيص الأخبار والتأمل في الروايات، حتى يتميز الحقّ من الباطل فيه، وهو ما يتكفل به النقد في السنة.
- والقسم الآخر من التفسير: وهو معظمه يرجع إلى استنباط العلماء، من خلال التفكّر في آيات القرآن والتدبر في معانيها، بما أوتوا من قوة فهم، وإحاطةٍ بالعلوم اللازمة لذلك، وهو وإن كان يشترط فيه أن يكون على أسس علميّة من اللغة والأصول وغيرها تجنبًا من القول بغير علم والتفسير بالرأي المجرد، إلا أنه يبقى في منتهاه جهدًا بشريًّا ومحاولة إنسانية تتأثر بقوة نظر المفسِّر وسعة فكره واطلاعه وامتلاكه للوسائل اللازمة، ولكن كلّ ذلك لا يجعله في مقام الجزم بالمعنى المراد من الله تعالى في كلّ الآيات، وفيها المجمل والمبين، والمبهم والمشكل؛ إنما هو يحاول التوصّل للمعنى فيصيبه حينًا ويقاربه أخرى، وقد يبتعد أو يخطئ في بعض الأحيان، ومن هنا قيل بغلبة التقريب في التفسير لا التحقيق والجزم، ومن هنا قالوا بعدم القطع والجزم إلا في موارد الإجماع، وظهور النصّ في معنى واحد متفق عليه، وأوصوا باجتناب التعبير عن التفسير بأن ذلك هو مراد الله قطعًا، خصوصًا في الموارد المحتملة لأكثر من وجه مقبول، وهو ما يسمونه باختلاف التنوع.
وكلّ ذلك يؤكد الحاجة إلى ممارسة النقد العلمي المنضبط في تفسير القرآن الكريم، كما هو في سائر مجالات الفكر الإنساني، خصوصًا وأنّ حركة الفكر في التفسير غير متناهية، وآفاق المعاني فيه رحبة متنامية؛ إذ إن فهم كلام الله تعالى لا غاية له، كما لا نهاية للمتكلم به، وهذا بدوره يزيد من المعاني المحتملة للآيات، وكلّ ذلك ينبغي أن يكون منضبطًا بضوابط الاستنباط الصحيحة من القرآن، كي لا يكون ضربًا من الوهم، أو نوعًا من الخيال الباطل.
وليس كلّ من أخطأ في التفسير كان ممن طلب الحقّ فأخطأه، بل قد يكون ممن طلب الباطل فأصابه، ومن هنا فليس التفسير بمنأى عن إعمال الأهواء وإدخال الأغراض فيه، وكان للأفكار المسبقة والاتجاه المذهبي تأثيره في بعض التفسير، بل لا يسلم حتى المأثور من إعمال نظر المفسر ونوع من تأثير رأيه في اختياره، وقلّما سلم تفسير من هذا التأثير على جلالة قدر المؤلفين وسلامة مقاصدهم، والكمال عزيز.
وهذا ما يؤيد ضرورة إعمال النقد واستمراره؛ لأن في ذلك - فضلًا عن الاقتراب من الحق - اضطراد نفس علم التفسير ونُموُّه وتقدمه في الكشف عن كنوز القرآن الكريم وهداياته الكامنة فيه، واستفادة البشرية من ذلك الغنى وتلك المعرفة.
وقد تعرّض المؤلف في الفصل الثالث للنقد المؤسَّس على اللغة؛ فذكر أهمية علوم العربية وأثرها في التفسير وأشهر مراجع التفسير اللغوي، ثم ذيّل الفصل بنماذج نقدية استندت على اللغة في نقدها.
أما الفصل الرابع فقد تناول فيه منهج النقد في القراءات، وذكر شروط القراءة الصحيحة، وتعامل المفسرين مع القراءات والترجيح بينها.
وفي الفصلين الخامس والسادس تناول النقد على أساس القرآن والسنة والمنهج في ذلك.
وختم الكتاب بالفصل السابع الذي تناول فيه النقد الكلامي، والمباحث الكلامية وأهميتها في التفسير، والتفسير المذهبي والنقد المذهبي، وذكر نماذج من النقد المذهبي والنقد الكلامي.
والكتاب جديرٌ بالقراءة الواعية المتأنيَّة حتى يستفاد منه في ذلك الباب، وقد أجاد الباحث -جزاه الله خيرًا- في تناول مسائل بحثه، واستطاع استقراء المصادر المهمّة في موضوعه، واستخراج القواعد والضوابط من خلالها، والخروج بنتائج مهمّة في هذا الميدان العلمي المهم المرتبط بأصول التفسير.
