للدكتور أحمد بن عبد العزيز بن مقرن القصير

بيانات الكتاب:

العنوان: الأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم.

تأليف: د. أحمد بن عبد العزيز بن مقرن القصير.

دار النشر: دار ابن الجوزي - الرياض.

سنة النشر: الطبعة الأولى (1430هـ).

عدد الأجزاء والصفحات (الوعاء): ج1، (791ص) من القطع العادي.

يتناول الكتاب دراسة الأحاديث التي يوهِم ظاهرها التعارض مع القرآنِ الكريم، والأحاديث التي تردُ في التفسير وتُعَدُّ مشكلةً في ذاتها، أو يُوهِمُ ظاهرها التعارض فيما بينها.

وفيما يلي عرض لمقدمة البحث، وخطته، والمنهجية المتبعة فيه، والخاتمة:

المقدمة:

بسم الله الرحمن الرحيم

إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه ونتوبُ إليه، ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهدُ أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، وصفوتُه من خلقه، بلّغ الرسالةَ، وأدّى الأمانةَ، ونصح الأمّةَ، وجاهدَ في الله حقَّ جهاده، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.

أما بعد:

فإنَّ المولى سبحانه أنزل كتابه {مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ} [آل عمران: 7]، وَوَكَلَ سبحانه بيان كتابه لنبيه -صلى الله عليه وسلم-، فجاءت السُّنّةُ شارحةً للقرآن ومبيِّنةً له، تُفَسِّرُ مُبهَمه، وتُفَصِّلُ مُجْمَلَه، وتُقَيّد مُطْلَقه، وهي محكمةٌ في ذلك كله، إلا أنه رُبما وقع فيها ما يدخل في حكم المتشابه، فربما رُويَ عنه -صلى الله عليه وسلم- حديثًا يُوهِمُ معارضة آية قرآنية، وربما رُويَ عنه تفسير آيةٍ ما، وفي هذا التفسير ما يُوهِمُ معنًى مشكلًا.

ولما كانت نصوص الوحيين فيها محكم ومتشابه فقد نَفِذَ من تلك النصوص المتشابهة أعداءُ الإسلام؛ ليثيروا الشبهاتِ حولَ القرآنِ الكريمِ والسنةِ النبويةِ المطهرة، تارةً بالطعن فيهما، وتارةً بالتشكيك وإثارةِ الشبهِ حولهما، يريدون بذلك تضليلَ الأمة، وصدِّها عن دينها القويم، كما أخبر سبحانه عنهم بقولـه: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} [آل عمران: 7].

إلا أنَّ الله رَدَّ كيدَهم في نحورهم؛ فهيأ لكتابه وسنةِ نبيه -صلى الله عليه وسلم- رجالًا أفذاذًا من علماء المسلمين، ينفون عنهما انتحال المبطلين وتحريف الغالين، فكشفوا زيفَ تلك الشبه والأكاذيب، وأزاحوا الستار عن خطرها وكيدها، ثم نظروا بعد ذلك في الصحيحِ من سُنَّةِ النبي -صلى الله عليه وسلم-، فيما يقع فيها من وهْمٍ وغَفْلةٍ، من رواةٍ ثقاتٍ عدول، فأبانوا عِللَها، وقَيَّدوا مُهْمَلَها، وأقاموا مُحرّفَها، وعانَوا سقيمها، وصححوا مُصحّفها[2]، وبيَّنوا أنَّ نصوص الوحيين حقٌّ وصدقٌ، لا تتعارض ولا تتناقض، وقد ألّفوا في ذلك تصانيف عِدَّة، اتخذها من جاء بعدهم قُدْوَة، فجزاهم الله عنا وعن سعيهم الحميدِ خير الجزاء، وجعلنا وإياهم عند لقائه من السعداء.

إلا أنَّ الأحاديثَ المُشْكِلَة -التي تتعلق بالتفسير- لا تزال تحتاجُ إلى مزيدٍ من الدراسةِ والتحقيق؛ إذ إنَّ علماءَنا -رحمهم الله- لم يفردوها بالدراسةِ على حِدة، وإنما كانت مبثوثةً في ثنايا كُتُبِهم؛ وقد يجد من يقفُ على بعضٍ من هذه الأحاديثِ صعوبةً في تحريرها، وجمعِ شتاتِ أقوالِ العلماء فيها، فتبقى الشبهةُ عالقةً في ذهنه دون جواب، ومن هذا المنطلقِ أحببتُ إفراد هذا الموضوعِ بالتصنيف، وعرضَ مسائِله بالدراسة والتحقيق، على منهجِ سلفِنا الصالحِ -رضوانُ الله عليهم- مُدعِّمًا ذلك بأقوالهم وآرائِهم.

ويمكنُ إجمالُ أهميةِ الموضوعِ، وسببِ اختيارهِ في النقاط الآتية:

1- أنه قد أُلّفَ في مشكلِ القرآنِ[3]، ومشكلِ الحديثِ[4]، على حين لم يُفردْ بالتصنيفِ الأحاديثُ التي تردُ في التفسير، وتُعَدُّ مشكلةً في ذاتها، أو يُوهِمُ ظاهرُها التعارضُ مع القرآنِ الكريم[5]، أو يُوهِمُ ظاهرُها التعارضُ فيما بينها.

2- الرَّدُّ على مطاعنِ أعداءِ الإسلام، والتصدي لكلّ ما يُثار حول القرآن الكريم والسنة النبوية.

3- إبرازُ عظمةِ الوحيين، وخلوِّهِما من التناقض.

4- بيانُ عنايةِ علماءِ الأمةِ بهذا الموضوع.

خطة البحث

يتكونُ البحثُ من مقدمةٍ، وقسمين، وخاتمة.

المقدمة: وفيها بيانُ أهميةِ الموضوع، وسببِ اختياره، وخطةِ البحث، والمنهجِ المتبعِ فيه.

القسم الأول: دراسةٌ نظريةٌ في الأحاديثِ المُشْكِلَةِ الواردةِ في تفسير القرآن الكريم، وفيه فصول:

الفصلُ الأول: تعريفُ المشكل، وبيانُ الفرقِ بينه وبين التعارضِ والمختلف، وفيه مباحث:

الأول: تعريفُ المشكل في اللغة والاصطلاح.

الثاني: تعريف التعارض في اللغة والاصطلاح.

الثالث: تعريف المختلف في اللغة والاصطلاح.

الرابع: الفرق بين المشكل والتعارض والمختلف.

الفصل الثاني: أسباب التعارض، وشروطه، ومسالك العلماء في دفعه، وفيه مباحث:

الأول: أسباب وقوع التعارض بين النصوص الشرعية.

الثاني: شروط التعارض بين النصوص الشرعية.

الثالث: مسالك العلماء في دفع التعارض بين النصوص الشرعية.

الفصل الثالث: المراد بالأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم، وبيان الفرق بينها وبين مشكل القرآن ومشكل الحديث، وفيه مباحث:

الأول: المراد بالأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم.

الثاني: الفرق بين الأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم ومشكل القرآن.

الثالث: الفرق بين الأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم ومشكل الحديث.

الفصل الرابع: عناية العلماء بالأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم، وفيه أربعة مباحث:

الأول: أحاديث التفسير المشكلة في كتب «التفسير وعلوم القرآن».

الثاني: أحاديث التفسير المشكلة في كتب «مشكل الحديث».

الثالث: أحاديث التفسير المشكلة في كتب «الحديث وشروحه».

الرابع: أحاديث التفسير المشكلة في كتبٍ أخرى متفرقة.

القسم الثاني: دراسة تطبيقية للأحاديث المُشْكِلَة الواردة في تفسير القرآن الكريم، وفيه فصول:

الفصل الأول: الأحاديث التي يُوهِمُ ظاهرها التعارض مع القرآن الكريم.

الفصل الثاني: الأحاديث التي ترد في تفسير آيةٍ ما، ويُوهِمُ ظاهرها التعارض فيما بينها.

الفصل الثالث: الأحاديث التي ترد في تفسير آيةٍ ما، ويُوهِمُ ظاهرها معنى مشكلًا.

منهج البحث:

اصطنعت منهجًا في البحث يقوم على الخطوات الآتية:

1- جمعُ الأحاديثِ المشكلة -الواردة في تفسير القرآن الكريم- من كتب: الحديث، والتفسير، ومشكل الحديث، وشروح الحديث، وغيرها من مظان مشكل الحديث.

2- اقتصرتُ على دراسةِ الأحاديث المشكلة الواردة في الكتب التسعة، وهي: صحيحا البخاري ومسلم، وسننُ أبي داود، والترمذي، والنسائي، وابنُ ماجه، والدارمي، وموطأ مالك، ومسندُ الإمام أحمد[6].

3- قمتُ بدراسة جميع الأحاديث المشكلة الواردة في تفسير جميع سور القرآن.

4- جعلتُ البحث في مسائل، وقسَّمتُ المسائل على ثلاثة فصول، ورتبتها في كلّ فصل حسب ترتيب سور وآيات القرآن الكريم.

5- في كلّ مسألة أذكر المباحث الآتية:

الأول: ذكرُ الآيةِ، أو الآيات الواردة في المسألة، وإذا كان في المسألة أكثرُ من آية فإني أذكر بعضها وأحيل في الحاشية على المتبقي منها.

الثاني: ذكرُ الأحاديث المشكلة الواردة في تفسير الآية أو الآيات، وقد جعلتُ للأحاديث رقمًا متسلسلًا في البحث كله، وعددها (76) حديثًا، وجعلتُ لكلّ حديثٍ رقمين: الأول ويعني التسلسل العام للأحاديث في البحث كله، والثاني ويعني تسلسل الأحاديث ذات المعنى المختلف؛ فإذا كان الحديث -في المسألة الواحدة- شاهدًا للذي قبله، وفي معناه، وليس فيه معنى زائدًا؛ جعلتُ رقمه الثاني خاليًا من الترقيم هكذا: (..)؛ للدلالة على أنه بمعنى الذي قبله، وإذا كان يحمل معنى زائدًا جعلتُ لـه رقمًا خاصًّا، وهكذا.

وقد بلغ مجموع الأحاديث التي تمت دراستها بجميع الروايات (89) حديثًا، وبلغ مجموع الأحاديث ذات المعنى المختلف (76) حديثًا.

الثالث: بيان وجه الإشكال في الأحاديث.

الرابع: ذكر مسالك العلماء في توجيه الإشكال، مع بيان أدلتهم إن وجدت.

الخامس: بيان القول الراجح في كلّ مسألة، مع ذكر حجة الترجيح.

6- اقتصرتُ على دراسة الصحيح، أو المختلف في تصحيحه، من الأحاديث المشكلة في التفسير، دون المتفق على تضعيفه، إلا أنْ يرد في المسألة الواحدة أكثر من حديث فإني أذكرها جميعًا وإن كان بعضها متفقًا على ضعفه، بشرط أنْ لا تخرج عن الكتب التسعة.

7- ضابط الأحاديث المشكلة في هذا البحث: ما نص عالم أو أكثر على وجود الإشكال أو نفيه[7]، مع مراعاة اصطلاح المحدِّثين دون الأصوليين في ضابط المشكل.

8- لم أدخل في هذا البحث أحاديث الصفات، والتي يعدها البعض من المشكل[8].

9- خرّجتُ الأحاديث الواردة في ثنايا البحث من الكتب المعتمدة في ذلك، فإن كانت في الصحيحين أو في أحدهما اكتفيت بهما لصحتهما، وإذا لم تكن فيهما فإني أخرجها من مظانها في كتب الحديث الأخرى، وأذكر كلام أهل العلم فيها؛ فإن لم أجد اجتهدتُ رأيي في الحكم على الحديث حسب الصناعة الحديثية.

وقد توسعت في تخريج الأحاديث المشكلة -الواردة في كلّ مسألة- فبينتُ طرقها ومخارجها وما فيها من علل إن وجدت، وذلك لما في التوسع من فائدة لمعرفة منشأ الإشكال، والذي غالبًا ما يكون بسبب وهم أو اضطراب من بعض الرواة، وأما إذا كان الحديث ليس هو في أصل المسألة؛ فإني أختصر في تخريجه وبيان حكمه، إلا أن يكون معلولًا وهو محل استدلال فإني ربما توسعت في تخريجه لبيان علله.

10- خرّجتُ الآثار من الكتب المعتمدة في ذلك قدر جهدي واستطاعتي.

11- تركتُ الآثار المروية عن الصحابة والتابعين دون حكم على أسانيدها؛ إلا ما كان له أثر على الخلاف في المسألة، أو كان له حكم الرفع؛ فإني أبيّن حكمه حسب ما ورد في الفقرة التاسعة.

12- وثّقتُ القراءات من مصادرها الأصلية.

13- بيَّنْتُ معاني الكلمات الغريبة التي تحتاج إلى بيان عند أول ورودها، وذلك بالرجوع إلى مصادرها المختصة.

14- خرّجتُ الأبيات الشعرية من دواوين قائليها إن وجدت، وإلا فمن المعاجم التي تذكر الأبيات، مع عزو البيت لقائله.

15- عند إيراد إسنادِ حديثٍ ما فإني لا أترجم لرجال إسناده؛ إلا إذا تطلب الأمر؛ لفائدة تتعلق بالراوي أو السند.

16- أشرتُ إلى مواضع الآيات، بذكر أسماء السور وأرقام الآيات.

17- عرّفتُ بالأماكن المبهمة -التي تُذكر في البحث- عند أول ورودها، وذلك بالرجوع إلى المعاجم المختصة.

الخــاتـمـة: وذكرتُ فيها أهم النتائج التي توصلت إليها من خلال البحث.

خـاتـمـة الـبـحـث:

الحمد لله الذي منَّ عليّ بإتمام هذا البحث، والذي عشتُ معه قرابة خمس سنوات، جامعًا ودارسًا لأحاديث المصطفى -صلى الله عليه وسلم-، التي وردت في تفسير كتاب الله تعالى وأوهم ظاهرها معنى مشكلًا، وقد خرجت بحمد الله تعالى بجملة من الفوائد والنتائج رأيت أنْ أُجملها في النقاط الآتية:

1- يُعَدّ موضوع الأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم من الموضوعات المهمّة التي لم تحظَ بعناية كبيرة في مجال الدراسات القرآنية؛ إذ لم يتطرق لـه الأوائل ولا الأواخر بتصنيف مستقل، على الرغم من عنايتهم واهتمامهم بمشكل القرآن ومشكل الحديث عامة، ومن خلال استقرائي لكتب مشكل القرآن ومشكل الحديث فقد لاحظت أن المؤلفين في هذا المجال كان جُلُّ اهتمامهم هو التوفيق بين الآيات أو الأحاديث موهمة الاختلاف فيما بينها، أو التي يُوهِمُ ظاهرها معنى مشكلًا، وأما الأحاديث المشكلة في التفسير بأنواعها الثلاثة[9]فلم يتوسعوا في دراستها، بله إفرادها بالتصنيف؛ لذا فإنَّ هذا البحث يُعد نافذة جديدة في مجال الدراسات القرآنية، والذي أسأل الله تعالى بمنه وفضله أنْ ينفع به.

2- في هذا البحث إضافة جديدة في مجال الدراسات القرآنية المتخصصة في رد الشبهات التي تُثار ضد القرآن الكريم والسنة النبوية، ونحن في هذا العصر بأمس الحاجة للدراسات الأكاديمية المتخصصة التي تُعنى بالتصدي لكلّ ما يُثار حول ديننا وثقافتنا الإسلامية، خاصة المصدرين الأساسيين وهما الكتاب والسنة.

3- برَّزَ عدد من الصحابة في هذا الموضوع، وقد كان لبعضهم عناية كبيرة بأحاديث التفسير المشكلة، ومن أشهر هؤلاء: أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق، رضي الله عنها وعن أبيها، وعن الصحابة أجمعين، وقد كان لها إسهامات مميزة في معالجة النصوص التي يُوهِمُ ظاهرها معنى مشكلًا، خاصة في مجال أحاديث التفسير.

4- برز عدد من علماء التفسير والحديث في هذا الموضوع، وظهرت عنايتهم الكبيرة بدفع كلّ ما يُوهِمُ التعارض بين الكتاب والسنة، ومن أشهر من برز من المفسرين: الإمام الآلوسي، وأبو عبد الله القرطبي، صاحب التفسير، والحافظ ابن كثير، والقاضي ابن عطية، ومن المحدثين: الحافظ ابن حجر، والقاضي عياض، والإمام النووي.

5- تميّز هذا البحث بجِدَتِه وأصالته، حيث تناول غالب الأحاديث المشكلة في التفسير، وعمل على عرضها بطريقة علمية مؤصلة، وذلك بتحرير الإشكال فيها، وعرض مسالك ومذاهب العلماء في دفع الإشكال عنها، مع مناقشة تلك المذاهب بذكر الإيرادات والاعتراضات عليها، ومن ثم الترجيح وبيان الرأي الأقوى في دفع الإشكال، مع ذكر الحجة التي تسانده وتعضده.

6- تميز هذا البحث ببعض الإضافات العلمية، التي لا تكاد توجد محررة في موطنٍ آخر، ومن هذه الإضافات دفع الإشكال الوارد على حديث: (ثَلاثٌ إِذَا خَرَجْنَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ)، وقد أشار الشنقيطي -رحمه الله- إلى أنه لم يقف على تحرير شافٍ للإشكال الوارد في الحديث، بحيث يمكن الرجوع إليه، ولعلّ في دراستي لهذا الحديث تحريرًا وحلًّا للإشكال الوارد فيه، والله المستعان.

7- في أثناء دراستي لتعريف المشكل لم أقف على تعريفٍ جامعٍ مانعٍ لـه، بحيث يمكن الرجوع إليه واعتماده في هذا الباب، وقد عملت -في محاولة متواضعة مني- على إيجاد تعريف جامعٍ لـه، يشمل معناه في اصطلاح المفسرين والمحدثين والأصوليين.

8- من خلال استقرائي لكتب مشكل القرآن ومشكل الحديث ظهر لي أن الآيات أو الأحاديث التي يُوهِمُ ظاهرها معارضة أصلٍ لغوي، أو حقيقةٍ علمية ثابتة، أو حسٍّ، أو معقول، لم تلقَ عناية كبيرة من العلماء، ولم يفرد من قبل بالتصنيف؛ لذا فإن هذا الموضوع يُعد من الموضوعات الجديرة بالدراسة والتحقيق، وهو مكمل لما أُلّف قديمًا وحديثًا حول مشكل القرآن والحديث.

9- في أثناء الدراسة تبين لي أنَّ من الأسباب التي توهم الإشكال في الأحاديث هو وقوع الخطأ من الرواة في نقل لفظ الحديث، فتجد أحدهم ينقل الحديث بغير لفظه الذي قاله النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فيوهم معنى مشكلًا، أو يروي حديثًا مرفوعًا للنبي -صلى الله عليه وسلم-، وفي هذا الحديث من الغرابة والإشكال ما يستحيل معه أن يكون من كلام النبي -صلى الله عليه وسلم-، وعند التحقيق يتبين خطأ رفعه، وأنَّ أصل الحديث يعود لرواية إسرائيلية، أو غير ذلك.

10- معرفة سبب النزول، وسبب ورود الحديث، مهمان للغاية في دفع التعارض بين النصوص الشرعية؛ إذ معرفة السبب تعين على فهم الآية والحديث ومعرفة المراد منهما، وبالتالي يسهل التوفيق بينهما عند التعارض.

11- أن إنكار المجاز -والقول بوجوب حمل النصوص الشرعية على الحقيقة في كلّ الأحوال، وإن كان هناك قرينة على إرادة المجاز- رأي ينبغي إعادة النظر فيه؛ إذ القول بهذا الرأي ينشأ عنه تناقض بين النصوص الشرعية لا يمكن التخلص منه إلا بتكلف، والواجب هو التعامل مع النصوص الشرعية حسب الأساليب المتعارف عليها عند العرب، حيث كان القرآن ينزل بلغتهم ويخاطبهم وفق الأساليب التي تعارفوا عليها.

12- قد يتجاذب النصين دلالتان، وفي كلٍّ من الدلالتين ما يُوهِمُ معارضة الدلالة الأخرى، فيظن الناظر أن هذا تعارض بين النصوص الشرعية، لكن عند التحقيق يتبين ضعف أحد الدلالتين، مما يؤكد أهمية معرفة دلالات النصوص الشرعية، وأهمية التفريق بينها.

13- اشتهرت عند عامة المفسرين والفقهاء قاعدة «العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب»، وهذه القاعدة في نظري ينبغي تقييدها فيقال بالعموم إلا أن يأتي دليل على التخصيص؛ وقد قرر ذلك بعض الأئمة بأنه لا مانع من قصر اللفظ العام على سببه لدليل يوجب ذلك.

14- أن النصّ الشرعي قد يرد على سبب خاص، وقد يرد ابتداء من غير سبب، فإذا تعارضا في العموم فإن عموم النص الوارد ابتداء من غير سبب، أقوى وأولى بالتقديم من عموم النص الوارد على سبب خاص.

15- أنَّ قصر بعض أفراد العام على سببه أولى من قصر جميع أفراده على سبب النزول؛ إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

16- أن دعوى الإجماع لا بُدَّ وأن يكون لها مستند من كتاب أو سنة، وأنْ لا تخالف شيئًا من النصوص، وغالبًا ما يُحكى الإجماع ولا تجد لـه أصلًا، أو يكون أصله مختلفًا في حجيته، وتحقق ثبوت الإجماع عزيزٌ قَلَّ أنْ يثبت.

17- أن الإمام مسلم قد يروي حديثًا مشكلًا في صحيحه، فيظن الناظر لأول وهلة أن الحديث صحيح، لكنه عند التحقيق يتبين أن الإمام مسلم رواه بالمتابعات لا في الأصول، وما رواه بالمتابعات ليس هو في درجة ما رواه في الأصول من حيث القوة، كما نص على ذلك الأئمة، وعليه فينبغي التفريق في العزو بين ما رواه في الأصول وما رواه بالمتابعات، ليتميز الحديث قوة وضعفًا.

18- يُعد موضوع فقه الخلاف ومنهج التعامل مع المخالف من الموضوعات التي لم تحظ بعناية كبيرة من قبل العلماء، من حيث الدراسة والتقعيد والتنظير، وهو جدير بالدراسة والتأصيل، وفي أثناء دراستي لبعض نقاشات الصحابة، وتعقب بعضهم البعض، رأيت دقة فهمهم، وسلامة صدورهم، واحترامهم للرأي الآخر، فهذه عائشة -رضي الله عنها- حينما ذُكِرَ عندها أن ابن عمر رفع إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ) قَالَتْ: وَهَلَ؛ إِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّهُ لَيُعَذَّبُ بِخَطِيئَتِهِ وَذَنْبِهِ، وَإِنَّ أَهْلَهُ لَيَبْكُونَ عَلَيْهِ الْآنَ). قَالَتْ: وَذَاكَ مِثْلُ قَوْلِهِ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَامَ عَلَى الْقَلِيبِ، وَفِيهِ قَتْلَى بَدْرٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ؛ فَقَالَ لَهُمْ مَا قَالَ: (إِنَّهُمْ لَيَسْمَعُونَ مَا أَقُولُ)، إِنَّمَا قَالَ: (إِنَّهُمْ الْآنَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّ مَا كُنْتُ أَقُولُ لَهُمْ حَقٌّ)، ثُمَّ قَرَأَتْ: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} [النمل: 80] و{وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [فاطر: 22]».

فهذه عائشة قد أنكرت على ابن عمر قولـه، على علم ومسمع من الصحابة، ومع علمهم وسماعهم لحديث ابن عمر، ولم نجد أحدًا منهم شنَّع على عائشة أو رماها بسوء، مما يؤكد تحلي الصحابة -رضوان الله عليهم- بالأدب الجمّ في التعامل مع المخالف، وسلامة صدورهم واحترام بعضهم البعض، وإنّ مما ابتليت به الأمة في هذه الأزمنة ضيق العطن وعدم قبول رأي الآخر، والتشنيع على المخالف وإن كان لـه مستند من دليل شرعي، مما أوغر الصدور وزاد في الفرقة، والله المستعان.

19- من خلال الدراسة لم أقف -بحمد الله- على نصّين متعارضين استحال الجمع بينهما، أو نص مشكل استحال حلّ إشكاله، وهذا مما يؤكد قطعية النصوص الشرعية، وأنها حق من عند الله تعالى، لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، وإن رام الأعداء هدم هذا الدين، والنيل منه، إلا أن الله متم نوره ولو كره الكافرون.

20- أن معرفة مقاصد الشريعة يعد من الأهمية بمكان، بل هو الفقه الحقيقي، وأما النظر المجرد في النصوص الشرعية دون إلمام بمقاصدها ففيه قصور يوقع الفقيه في حيرة وتناقضات، وربما قاده فهمه الخاطئ إلى انحراف في السلوك أو الاعتقاد.

21- من خلال الدراسة تبين أهمية معرفة الأدوات والأساليب اللغوية التي كان العرب يتخاطبون بها، وقد نزل القرآن بلغتهم وخاطبهم بالأساليب التي تعارفوا عليها، فيجب على الناظر في تفسير آيات القرآن الكريم أن يكون ملمًّا بهذه الأساليب حتى لا يعتقد معنى غير مراد في النص فينشأ عنده إشكال بسبب فهمه لا بسبب النص.

22- دخول الإسرائيليات في علم التفسير أثّر سلبًا على هذا العلم، فكان من نتائجه وقوع الغلط من بعض الرواة والمفسرين، حيث أدخلوا بعض الروايات الإسرائيلية في التفسير ظنًّا منهم أنها من كلام النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقد يكون في بعض هذه الروايات من الغرابة والإشكال ما يستحيل معه أن يكون من كلام النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهذا مما يؤكد أهمية دراسة المروي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في التفسير، دراسة علمية تختص بنقد المتون أكثر منها في نقد الأسانيد؛ إذ الثاني قد أخذ حظه من الدراسة والتحقيق بخلاف الأول.

23- يُعد جمعُ رواياتِ الحديث وألفاظِه من أهم العوامل المساعدة في الكشف عن علل الحديث، وفي أثناء دراستي لعلل بعض أحاديث التفسير المشكلة تبين لي أنَّ هذا اللون من التحقيق لم يلقَ عناية كبيرة من العلماء رحمهم الله تعالى، وقد تميّز هذا البحث بالاستطراد في شرح علل الحديث وبيان مخارجه، ومن ثَمَّ معرفة الخلل ومنشأ الإشكال، والذي غالبًا ما يكون بسبب وهْمٍ من أحد الرواة.

24- بلغ مجموع الأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم -التي تمت دراستها- ستة وسبعين حديثًا، وهذه الأحاديث وقفت عليها بعد طول استقراء في كتب التفسير، والحديث، وغيرها، وقد اقتصرتُ على دراسة ما رُويَ في الكتب التسعة فقط.

25- بلغ مجموع أحاديث التفسير المشكلة الواردة في الصحيحين -التي تمت دراستها- سبعة وأربعين حديثًا.

26- وبلغ مجموع الأحاديث التي كان منشأَ الإشكال فيها وَهْمٌ من بعض الرواة أحد عشر حديثًا، عشرة منها جاءت في الصحيحين.

27- وبلغ مجموع الأحاديث المشكلة -التي ثبت بعد الدراسة والتحقيق أنها ضعيفة-

خمسة عشر حديثًا.

هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

[1] أصل الكتاب أطروحة علمية تقدم بها المؤلف لنيل درجة الدكتوراه في التفسير وعلوم القرآن، من جامعة أم القرى بمكة المكرمة، كلية الدعوة وأصول الدين، قسم الكتاب والسنة، عام 1428هـ، وقد أجيزت بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى والتوصية بالطبع والتبادل مع الجامعات.

[2] انظر: مشارق الأنوار، للقاضي عياض (1/2(.

[3] الكتب المؤلفة في مشكل القرآن أغلبها يتناول الآيات التي يوهم ظاهرها التعارض فيما بينها، ككتاب: «مشكل القرآن» لابن قتيبة، وكتاب «دفع إيهام الاضطراب عن آي الكتاب» للشنقيطي.

[4] الكتب المؤلفة في مشكل الحديث أغلبها يتناول الأحاديث التي يوهم ظاهرها التعارض فيما بينها، أو الأحاديث المشكلة في ذاتـها، ككتاب: «تأويل مختلف الحديث» لابن قتيبة، وكتاب «مشكل الحديث وبيانه» لابن فورك، وكتاب «مشكل الآثار» للطحاوي.

[5] للإمام نجم الدين سليمان بن عبد القوي الطوفي الحنبلي المقدسي، المتوفى سنة (710هـ) كتاب بعنوان «دفع التعارض عما يُوهِمُ التناقض في الكتاب والسنة»، ذكره حاجي خليفة في كشف الظنون (1/756)، ولم أقف عليه مطبوعًا أو مخطوطًا.

[6] جميع الأحاديث المشكلة الواردة في هذا البحث لم تخرج عن هذا الشرط؛ عدا قصة الغرانيق، فإنها لم تروَ في شيء من الكتب التسعة، ومع ذلك فقد عمدتُ إلى دراستها نظرًا لأهميتها، واتكاء عدد من المستشرقين عليها، واتخاذها أداة للطعن في نبينا الكريم -صلى الله عليه وسلم-.

[7] ويدخل في هذا الضابط: ما نص عالم أو أكثر على وجود التعارض أو نفيه.

[8] أحاديث الصفات يعدها بعض الأشاعرة من الأحاديث المشكلة، ومن الذين قالوا بإشكالها: ابن فورك، والسيوطي.

[9] وهي: الأحاديث التي يُوهِمُ ظاهرها التعارض مع القرآن الكريم، والأحاديث التي ترد في تفسير آيةٍ ما، ويُوهِمُ ظاهرها التعارض فيما بينها، والأحاديث التي ترد في تفسير آيةٍ ما، ويُوهِمُ ظاهرها معنى مشكلًا.